فتح الله الصائغ الحلبي
56
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
وأما الشيخ إبراهيم ونوفل والخوري موسى فإنهم قاموا من النوم فما وجدوني . فصاروا في حيرة عظيمة ، وابتدأوا يبحثون عني في أماكن عديدة ، فما وجدوا لي أثرا . فصار الشيخ إبراهيم في قلق عظيم وحدثه قلبه أني واقع في ضيق ، لأنه على معرفة بعاداتي ، فقال : إنه ما ذهب قط إلى مكان من غير علمي ، ولا بد لغيابه هذا من سبب كبير . ثم خرجوا إلى ضواحي القرية وأخذوا يطوفون بالبساتين للبحث عني . وبينما هم يفتشون عني ، إذ رأوني من بعيد مقبلا عليهم ، فتساءلوا إذا كان القادم هو أنا حقيقة . فقال الشيخ إبراهيم : هذا الشخص ليس عبد اللّه لأن معه بارودة وسلاح وبيده سيف ، فمن أين جاء بهذه الأسلحة ؟ فحين قربت منهم عرفوني فركضوا نحوي من فرحهم . وحين وصلوا رأوني بتلك الحالة التي لا توصف : وجهي مخدش ودمي سائح ويديّ مسلّخة ورقبتي مجروحة وكل وجهي وعنقي 1 / 14 ويديّ مدمية ، وأنا من فرحي بنجاتي ورؤيتي لهم ابتدأت أبكي وهم كذلك ، / ولم يستطيعوا أن يفهموا مني حقيقة ما جرى علي إذ طفح علي البكاء . ثم دخلوا القرية واجتمعت الناس خلفي وصاروا يتساءلون عن الذي فعل بهذا الشاب هذا الفعل . وأدخلوني إلى بيت الشيخ سليم . ولما رآني في تلك الحالة الشنيعة انتصب قائما مثل المجانين وأجلسني وأمر لي بماء ، فشربت حتى سكن روعي ثم قال أخبرني عن قصتك بالمختصر فقلت له : « حسيسون احتال علي وأراد قتلي واللّه نصرني عليه » . فغاب عن الوجود من هذا الخبر وقال : « له سوالف سابقة مثل هذه ، ولكن لا بدّ من قتله في هذا اليوم » . ثم أمر أربعة خيالة أن يركبوا حالا ويجدّوا في طلبه ، ولا يدخلوه القرية ولكن يقومون بشنقه على باب القريتين من غير مراجعة . فركب الخيالة الأربعة بكل سرعة ، وكان من بينهم عبد للشيخ سليم ، وكان لا يحب حسيسون فأخذ حبلا تحت أبطه « 26 » لكي يشنقه حالا ، على حسب أمر سيده . أما أنا ، فأخذوني إلى بيت الخوري ، وسخّنوا لي ماء ومسحوا دمائي ، ودهنوا جروحاتي ببلسم وأجلسوني على الفراش . أما الخيالة فداروا بكل اجتهاد إلى غروب الشمس ، فما وجدوا لحسيسون أثرا فرجعوا . وبعد مدة بلغنا أنه يخدم كعسكري بدمشق ، ومن ذلك اليوم ما عاد دخل القريتين . وبعد هذه الأيام بقليل ابتدأ العربان يغرّبون ويظهرون في نواحي تدمر والقريتين ، وصارت أخبارهم متواصله في البلاد ، وابتدأ يحضر منهم أناس للقريتين ويخبرون عن بعضهم ،
--> ( 26 ) « في عبه » .